سندس فوزي فرمان

 

قال عنها صديقها الكاتب طاهر جاوت "آسيا جبار أهم النساء الكاتبات في المغرب". ترجمت كتبها إلى عشرين لغة وتدرس أعمالها المبتكرة والمتعددة الأشكال في العالم بأسره. تم انتخابها كعضو في الأكاديمية الفرنسية عام 2005 وهي أول أفريقية تحتل هذا المقعد تحت قبة الأكاديمية. وقتها مقسم اليوم بين باريس والولايات المتحدة حيث تدرس في قسم الدراسات الفرنسية في جامعة نيويورك. نشرت هذه الأكاديمية م}خرا الجزء الأول من مجلد ذاتي شامل ويحمل هذا الجزء عنوان "لا مكان لي في منزل أبي" (دار نشر فيار، 2007).
"جئت من بعيد ويجب أن أذهب بعيدا" يمكن أن يكون هذا هو شعار الجزائرية آسيا جبار الذي أوضحته في بداية روايتها "لا مكان لي في منزل أبي" واستعارت آسيا هذه الكلمات من الشاعرة البريطانية كاثلين رن. كتبت هذه الكلمات على مقاس هذه الكاتبة الكبيرة القادمة من المغرب العربي ؛

كاتبة ذات مسار غير مألوف قادها من القرى الواقعة في سفح جبال الأطلس إلى الأكاديمية الفرنسية الراسية على ضفاف السين ومن الحرملك المغاربي إلى طليعة النضال من أجل تحرير المرأة ومن عتمة الحقبة الاستعمارية إلى إشراق مرحلة ما بعد الاستعمار. هذا المسار استثنائي جدا والكاتبة لا تنكر منه شيئا ؛ لا أصلها ولا إخفاقاتها. بل على العكس من ذلك فمن ماضيها الخاص ومن ماضي شعبها وعلى الخصوص من تاريخ نساء قبيلتها البربريات التي تشعر إنها قريبة منهن، من ذلك كله تغترف آسيا جبار القوة في أن تدفع إلى الأمام أكثر فأكثر نضالها ضد المجتمع الذكوري كما إنها تغترف من هذا الخزين مادة كتبها المعقدة والمتقنة. نراها تحب أن تكرر: "قادتني الكتابة إلى صرخات التمرد المكتومة التي كنت أسمعها أثناء طفولتي، قادتني إلى جذوري. الكتابة لا تخمد الصوت بل توقظه وتحفزه بالخصوص على تذكر العديد من الأخوات اللواتي اختفين.

القراءة والكتابة وسيلتا تحرر

أسيا جبار روائية وكاتبة قصة قصيرة وصحفية وشاعرة ومخرجة أفلام. ألفت نحو 20 عملا من أنواع مختلفة وهذه الأعمال المتعددة الأشكال تدهشك بمدى التزام مواضيعها ومن خلال كتابتها الشعرية الناشئة من نضح روحها ومن خلال إعادة توحيد الذكريات بالشخصية أكثر منها مجرد إثبات مطالب. السبب والمحفز وراء هذه الرغبة في الكتابة هي المدرسة الفرنسية واكتشاف الأدب. ولدت آسيا جبار في قرية شيشيل في الجزائر عام 1936 من أم بربرية وأب معلم. وآسيا مدينة لأبيها بتسجيلها في المدرسة الابتدائية في القرية فبنات أعمامها لم يحظين بهذه الفرصة. وبلا شك فإن وعيها الحاد والمبكر هو الذي جعل منها طالبة لامعة. وستكون هي واحدة من أوليات البنات في قبيلتها التي حصلت على شهادة الدراسة والمسلمة الوحيدة في متوسطة بليدة التي تدرس اللاتينية والإغريقية. يعود اكتشافها للأدب الفرنسي إلى ذلك التاريخ أيضا وأصبحت القراءة منذ حينها نشوتها الوحيدة. وسرعان ما أصبحت القراءة تمثل لها ذلك "الملاذ اللغوي" وذلك لأنها وكما ذكرت ذلك في كتاب مقالاتها الذاتية الذي يحمل عنوان " تلك الأصوات التي تحاصرني" (ألبان ميشيل، 1999) : "القراءة والكتابة بتلك اللغة (الفرنسية) خلال أعوام الخمسينات كانت أيضا وسيلة بالنسبة للنساء الجزائريات بأن يكن أحرارا وبأن ينلن العلم والمعرفة وبأن يخرجن من دائرة النساء الحصرية". إلا إننا يمكن أن نتصور إن خيار الكتابة بلغة المستعمر كان يمثل معاناة حقيقية. إلا عن آسيا جبار استطاعت أن تحول هذه المعضلة إلى مشروع كتابة نستطيع تلخيصه كالتالي : فقد استخدمت خلال النص أصوات متعددة ومن طبقات اجتماعية متنوعة وهذه كانت وسيلتها لمقاومة مشروع توحيد اللغة المفتعل والذي يسحق الجزائر من وجهة نظرها. فآسيا جبار مناهضة للتعريب الإجباري في بلدها والمعمول به منذ الاستقلال وعلى حساب الفرنسية وأيضا على حساب اللغة البربرية واللهجة الجزائرية وقد جعلت الكاتبة من موت واختفاء المصطلحات واحدا من الموضوعات الرئيسية في كتاباتها ويشهد بذلك عناوين بعض من كتبها : "وهران، لغة ميتة" (أكت سود، 1997)  و "اختفاء اللغة الفرنسية" (ألبان ميشيل، 2003).   


مع النساء العربيات

نشرت آسيا جبار روايتها الأولى قبل استقلال الجزائر وكان عمرها بالكاد حينها عشرين عاما. وكانت موضوعات رواياتها الحرب والعوائل الممزقة ولكن تناولت أيضا نمو النزعة الفردية ضمن إطار الطبقة البرجوازية وفي الحقيقة كان هذا هو موضوع أول رواية لها "العطش" والتي صدرت عن دار جوليار 1957. هذه الرواية تضع على مسرح الأحداث تحرر فتاة شابة من الطبقة البرجوازية ومحاربتها لكل الممنوعات واكتشافها لأحاسيسها وجسدها. أدى هذا الكتاب إلى أن تلصق السمعة الحارقة بالشابة آسيا جبار باعتبارها "فرانسواز ساغان المسلمة".
منذ ذلك الحين بدأت تكتب باسمها المستعار آسيا جبار بدلا من اسمها الحقيقي فاطمة الزهراء أيميلاين وذلك خشية أن يتصور أبيها بأن ابنته قادرة على أن تكون شبيهة ولو من بعيد ببطلات مخيلتها المتحررات والفاضحات. وبعد عبورها مراحل متعاقبة من الروايات النفسية والروايات الملتزمة دخلت آسيا جبار بشكل حقيقي إلى موضوع قدر النساء في العالم العربي وذلك حينما نشرت مجموعتها القصصية الشهيرة التي حملت عنوان "جزائريات في مساكنهن" (دار نشر فام) وروايتها "الحب والهوى" (دار نشر لاتس، 1985). وهنا نجد إن الحواجز والتمزقات الموجودة في القصص محسوسة كلها من خلال الكلام ومن خلال الذاكرة الشخصية والتاريخية. تطرح آسيا جبار التساؤلات أيضا عن قضايا التطرف والديكتاتورية والتي هي وكما تؤكد الكاتبة مرتبطة بشكل وثيق مع "الهوس العصابي للغة الواحدة".

زمن "الكشف الذاتي"

هذا التحول في نص آسيا جبار ابتداءا من أعوام الثمانينات ترافق أيضا مع ثورة في الكتابة وتظهر هذه من خلال تباين الأنواع والمزج بين ما هو ذاتي وما هو خيالي والأسطوري. وأصبحت هذه السمات بمرور السنين هي العلامة البارزة للتعرف على الأسلوب الروائي المتفرد لهذه الكاتبة. كل هذه الصفات التي تتفرد بها آسيا جبار نجدها في روايتها الجديدة وهي بلا شك واحدة من أكثر رواياتها اكتمالا وأكثرها حسا. "لا مكان لي في منزل أبي" رواية ذاتية ويتحدث فيها الراوي بضمير المتكلم وهي تمزج بشكل بارع بين ذكريات الطفولة واستدعاء الماضي السحيق وتقودنا خطوة بخطوة إلى تلك الطرق الملتوية للتحليل الذاتي الارتدادي وذي النتائج الحادة والجارحة وغير المتوقعة. هناك شيء من "التربية العاطفية" لفلوبير وشيء من "الزمن المستعاد" لمارسيل بروست في هذا النص من "الكشف الذاتي" لآسيا جبار ولكنها أرادته أيضا جوابا على السؤال الذي طرحته الكاتبة في إحدى نصوصها السابقة


"شاسع أنت أيها السجن
فمن أين ستأتيني أيها الخلاص؟"